القاضي النعمان المغربي
459
المجالس والمسايرات
وأظنّ البائس إنّما ظنّ أنّه « 1 » خاطبه بمثل ما خاطبه به قبل ذلك . فإنّه ( صلع ) قال له قبل ذلك في يوم أحضره إليه : واللّه إنّك في حالك هذه التي أنت فيها - وإن كنت في الأسر والوثاق - لأفضل ممّا كنت فيه من معصية اللّه بتخطّيك إلى ما تخطّيت إليه ، وتسمّيك بما تسمّيت به ، وإن كرهت ما أنت اليوم فيه . فقال : هو كما قال أمير المؤمنين ( صلع ) . فأحسبه ظنّ أنّ الخطاب الذي خاطبه به أمير المؤمنين ( ص ) في هذا المقام كذلك كان . فأعرض عنه ( ص ) لمّا رآه لم يفهم قوله ، وعطف على ابن بكر فقال : أنت يا ابن بكر أمكننا اللّه منك وأنت على غيّك ، فمننّا عليك ، وأطلقناك من أسرك / وصرفناك إلى بلدك ، فما رعيت الإحسان بل غمطت النّعم وتغلّبت على البلاد دوننا ، ودعوت « 2 » إلى غيرنا « 3 » . وتقول ، فيما انتهى منك إلينا : هؤلاء الفواطم - تعني الذين بناحيتك - تسترضي أحدهم بقلّة من نبيذ وأترجّتين تهدي ذلك إليه ، وتعني أنّا نحن لا نرضى منك إلّا بالكثير . فلو عقلت لعلمت أنّ الرّاضي منك بما وصفت ، مثلك في الحال أو دونك ، وليتك أقمت لنا ظاهرا أو كنت واصلتنا بأترجّة لعلّك كنت تستميلنا بها كما زعمت أنّك استملت من استملته ، ولكنّك نابذتنا وصارمتنا . ثمّ صارت « 4 » عساكرنا إليك ، فأظهرت أنّك على الطاعة وغلقت / دونهم أبواب مدينتك ، ولم تخرج إلى عبدنا قائد عسكرنا « 5 » ، وسألك أن تبعث بابنك ليكون عندنا ، فأومأت إلى أسود بين يديك ، وقلت لرسولي إليك : لو سألني شعرة من رأس هذا الأسود ما أعطيته إيّاها ، وتقاتل عساكرنا ، وتقتل أولياءنا . ثمّ تكتب إلينا أنّه كانت بينك وبين القائد هينمة ، وتسألنا أن نحلّك محلّ الأولياء عندنا . أفترى لو أنّك أسخطت بعض نسائك بعض « 6 » السخط فقابلتها بمثل هذا الذي قابلتنا به ، أكانت راضية منك به ؟ فإيّانا يا شقيّ تقابل بمثل هذه المقابلة ، وعلينا تجترئ بمثل هذه الجرأة ؟
--> ( 1 ) أو ب : انما . ( 2 ) أ : سموت . ( 3 ) أي إلى المروانيين بالأندلس . ( 4 ) جوهر الصقلي . ( 5 ) ب : سارت . ( 6 ) ب : هذا السخط .